©§¤°^°¤§©¤ أبناء الصدرين الشهيدين.. لبيك ياعلي لبيك .. يا حسين ¤©§¤°^°¤§©
البوابةاليوميةالصفحة الرئيسيةس .و .جالتسجيلمكتبة الصورابحـثدخول
 

فصل في العدالة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المسك
المدير العام
المدير العام


الجنس:ذكرالسرطانالنمر
العمر : 46
سجّل في : 26 يونيو 2007
عدد المساهمات : 956
علم بلدك : http://i42.servimg.com/u/f42/12/32/45/99/untitl12.jpg
وسام التفوق : http://www.bawasel.com/forums/uploaded/3547_1180476192.gif

بطاقة الشخصية
الوطن: العراق
msn: أروع القلوب قلب يخشى الله وأجمل الكلام ذكر الله وأنقى الحب الحب في الله
نشاط العضو:
65/150  (65/150)

مُساهمةموضوع: فصل في العدالة   الجمعة 6 يونيو - 16:06

فصل في العدالة



عرِّف العدل في اللغة أنه ما يأتي في النفس أنه مستقيم. و أنه هو الحكم بالحق. و يوصف الرجل بأنه عدل على معنى ذو عدل. و هو صفة للمذكر و المؤنث و المفرد و الجمع. يقال: امرأة عدل و جماعة عدل. و ما يأتي في النفس أنه مستقيم، هو التصرف الصالح، الذي يوافق الضمير الخالص غير المنحرف.

و عرِّف العدل في الفلسفة: بأنه وضع الشي‏ء في موضعه المناسب له، و هو معنى شامل للَّه- عزّ و جلّ- و غيره. فالعدل الإلهي هو وضع الشي‏ء في موضعه، و كذلك هو العدل الصادر من المخلوقين، كالحاكم و القاضي، و كذلك تصرّف الرجل العادل في سلوكه، لأنه تتوفر في هذه الصفة في تصرفاته. و هذا هو الذي يفسر قول اللغويين عنه أنه الحكم بالحق. فإنَّ الحق لا يكون الا بوضع الشي‏ء في الموضع المناسب. كما أنَّ هذه الصفة أيضاً هي التي تأتي في النفس أنها مستقيمة بالنسبة لمن يعلم استقامتها و صحة اتجاهها.

و قد اشترطت العدالة أو العدل فقهيّاً في عدة أمور: في مرجع التقليد الذي نتحدث الآن عنه، و في الشاهد أيّاً كانت شهادته، و في الحاكم في مجتمع، و في القاضي في الخصومات، سواء كان منصوباً أو قاضي تحكيم، و في إمام الجماعة. لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة فيما جاز عمل المرأة فيه من ذلك.

و قد ورد وصف العدالة في الروايات عن المعصومين- عليهم السَّلام. نورد المهم منها

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 40



ففي رواية عن عبد الله بن أبي يعفور «1»، قال: قلت: لأبي عبد الله- عليه السَّلام-: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان. و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. و الدلالة على ذلك كلِّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك. إلى أن يقول: فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه الا خيراً، مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإنَّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين.

الحديث.

و عن العلاء بن سيابة «2» قال: سألت أبا عبد الله- عليه السَّلام- عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق.

الحديث.

و عن علقمة «3» قال: قال الصادق- عليه السَّلام-، و قد قلت له: يا ابن رسول الله، أخبرني عمَّن تقبل شهادته و من لا تقبل. فقال: يا علقمة، كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف الذنوب؟ فقال: يا علقمة، لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الأنبياء و الأوصياء لأنهم المعصومون دون سائر الخلق. فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة، و إن كان في نفسه مذنباً. و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان.

و عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي «4» عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه، عن علي- عليه السَّلام- قال: قال رسول الله- صلَّى الله عليه‏

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 41



و آله-: من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدَّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروَّته، و ظهرت عدالته، و وجبت أخوّته، و حرّمت غيبته.

و في رواية عن عبد الكريم بن أبي يعفور «1»، عن أبى جعفر- عليه السَّلام-: قال: تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنَّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرج إلى الرجال في أنديتهم.

و في رواية عن أبي علي بن راشد «2». قال: قلت لأبي جعفر- عليه السَّلام-: إنَّ مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعاً؟ فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه و أمانته.

و قد سبق أن سمعنا في الحديث عن تفسير العسكري- عليه السَّلام- يقول فيه: فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.

و للمنطق رأى آخر في العدل، حيث قسموا العقل بحسب مدركاته إلى قسمين: عقل نظري و عقل عملي. و عرَّفوا العقل النظري بأنه إدراك ما ينبغي أن يعلم. كإدراك أنَّ السماء فوقنا و الأرض تحتنا، إلى ملايين الحقائق الكونية و غيرها. و عرَّفوا العقل العملي بأنه إدراك ما ينبغي أن يعمل. يعني من التصرفات و السلوك. و قالوا: إنَّ العقل العملي له الحكم- بناء على تعريفه- في سلوك الأفراد، فيحكم بالتحسين لما هو حسن، و بالتقبيح فيما هو قبيح. مثاله: حكمه بالحسن على الصدق و بالقبح على الكذب. و هل يعم حكمه للعدل الإلهي أو لا؟ فهذا أمر موكول إلى علم الكلام و خارج عن الفقه. و هو الذي اختلف فيه العدلية الأشاعرة. و ليس هنا محله.

و قالوا: إنَّ هناك من العناوين ما يكون ذاتي الحسن و القبح، و هو العدل و الظلم. إذ يستحيل أن يحصل له عنوان ثانوي أو طارئ يزيل عنه هذا

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 42



الحكم. بخلاف العناوين الأخرى، فإنها اقتضائية في حكمها و ليست ذاتية، فالصدق حسن في الحكم الاقتضائي، و لكنه قد يحصل له عنوان ثانوي طارئ يزيل عنه التحسين، كما لو كان الصدق سبباً للقتل أو السرقة. كما أنَّ الكذب قبيح ما لم يحصل عنوان ثانوي له كإصلاح ذات البين. و قالوا: إنَّ أمثال هذه العناوين إنما تكتسب هذه القيمة العقلية الأخلاقية، بمقدار اندراجها في ذينك العنوانين، فمتى كان الصدق عدلا كان حسناً، و إذا أصبح ظلماً كان قبيحاً. و الكذب قبيح ما دام ظلما فإذا أصبح عدلا كان حسناً.

و هكذا.

و نقطة الضعف الرئيسية في ذلك هو أنَّ عدداً محدوداً من العناوين هي التي يدرك العقل حكمها، بخلاف أكثر عناوين السلوك، فإنَّه لا يدرك حكمها، كعامة العلاقات الفردية و الاجتماعية. مضافاً إلى أنَّ العقل، حتى في العناوين التي يدرك حكمها، قد تحصل عليها العناوين التي تغيّر الحكم، كما عرفنا، أو تجعل العقل يشك في صدق الحكم عندئذٍ. فإذا علمنا أن هذه العناوين الثانوية في الحياة كثيرة، عرفنا مدى ضيق الحكم العقلي بالتحسين و التقبيح. و هذا الضيق هو الذي يجعل العقل الإنساني قاصراً عن أن يقود نفسه بنفسه، و يجعل الفرد محتاجاً ذاتيّاً إلى شريعة الله- عزّ و جلّ. و مع وجود هذا الضيق لا يمكن أن يكون العقل محكاً لتمييز العدالة في الفرد.

لأنه- كما عرفنا- لا يميز كثيراً من أنحاء التصرفات. و هذا هو الإشكال الأصلي على ما عرفناه في التعريف اللغوي للعدل: أنه ما يأتي في النفس أنه مستقيم. لأن هذا الفهم إن قصد منه الفهم العقلي الذي تحدثنا عنه، كان ناقصاً و غير قابل للاستيعاب.

و من هنا كان لا بدَّ لنا في تمييز العدالة إلى الالتفات إلى أحد أمرين:

الأمر الأول: ما عرفناه من أنَّ العدل هو وضع الشي‏ء في موضعه، مع التحويل في ذلك على الواقع الموضوعي الذي يعلمه الله- عزّ و جلّ. فإن كان الفرد قد وضع سلوكه أو أي أمر آخر في موضعه الواقعي كان عادلا و الا فلا.

الأمر الثاني: الشريعة. فإن كان سلوك الفرد مطابقاً لها كان عادلا و الا فلا.

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 43



أما الأمر الأول فهو متعذر الإدراك وحده، لوضوح تعذر الاطلاع على الواقع الموضوعي مباشرة، أو عن طريق علم الله- عزّ و علا. و إنما هناك طريقان لإدراك هذا الواقع: أحدهما: العقل الذي عرفنا قصوره. و الآخر هو الشريعة.

و من هنا نعرف أنه لا تنافي بين تعريف العدل: بأنه وضع الشي‏ء في موضعه المناسب له. و بين تعريفه: بأنه موافق للعقل العملي أو أنه موافق للشريعة. لأن هذين الأمرين الآخرين: أعني العقل و الشريعة، إنما يدلان على أنَّ الفرد قد وضع الشي‏ء في موضعه المناسب له. غير أن العقل لما كان ضيِّقاً، كان المرجع الرئيسي في تمييز ذلك هو الشريعة. كما لا تنافي بين حكم العقل و الشريعة، لأننا إن بنينا على القاعدة القائلة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. فالأمر يكون واضحاً، لأنَّ الشرع بنفسه يكون محتوياً على كل أحكام العقل و زيادة. و هذه الزيادات تخص الموارد التي عجز العقل عن إدراكها. و إذ لم نبن على تلك القاعدة أمكننا الالتفات إلى قاعدة أخرى متسالم على صحتها بين علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، و هي قولهم: ما من واقعة الا و لها حكم. إذ ينتج منها: أنَّ حكم الشرع شامل لكل موارد حكم العقل سواء وافقه فيها أو خالفه. غير أنَّ الوجدان الضروري قاض بأننا لم نجد أي اختلاف بين حكمي العقل و الشرع. و حتى لو فرضت المخالفة، فإنَّ مولانا الذي يجب علينا إطاعته هو الشريعة أو قل: صاحب الشريعة، و ليس مولانا هو العقل. إذن، فالمهم في تمييز العدل إنما هي، الشريعة بالذات. و هذا هو الذي يفسر قول اللغويين في تعريف العدل: بأنه الحكم بالحق. يعني بالشريعة.

و حيث أننا متأخرون عن صدر الإسلام، و غير معاصرين لصاحب الشريعة، فإنما تكون الشريعة بالنسبة إلينا ما قامت عليه الحجَّة من التكاليف و الأحكام. كل ما في الأمر أنَّ الطرق المثبتة لهذه الحجة ذات أشكال و مستويات مختلفة لا حاجة الآن إلى تعدادها.

فالمهم في العدل، هو تطبيق الحكم الشرعي الذي قامت الحجة على صحته. و هذا هو الفهم الذي حامت الروايات حوله. و إذا وصلنا إلى هذا

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 44



الفهم، بقي لدينا سؤال أخير و هو: أي مستويات الحكم الشرعي يكون هو المحقق للعدالة مع تطبيقه؟

فإن الحكم الشرعي ينقسم إلى وضعي و تكليفي.

فالحكم التكليفي: هو المفهوم من مدلول الأمر و النهي: (افعل- و لا تفعل) و فيه انبعاث نحو السلوك أو زجر عنه بذاته. كوجوب الصلاة و حرمة السرقة.

و الحكم الوضعي: ما لم يكن فيه هذا الانبعاث و الانزجار. و إنما هو مجرد المسؤولية أو الذمة كالضمانات و الديون. و إن استلزمت السلوك ثانوياً لأدائها مثلا.

و الحكم التكليفي ينقسم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: الوجوب، و الاستحباب، و الإباحة، و الكراهة، و الحرمة.

- فالوجوب: هو الأمر بالشي‏ء مع المنع عن الترك.

- و الاستحباب: هو الأمر بالشي‏ء مع الترخيص بالترك.

- و الحرمة: هو النهي عن الشي‏ء مع المنع عن الفعل.

- و الكراهة: هو النهي عن الشي‏ء مع الترخيص بالفعل.

و نستطيع أن نقول: إنَّ للأمر و النهي درجتين في الأهمية، فالدرجة العليا إلزامية، و هي الوجوب و الحرمة. و الدرجة الدنيا غير إلزامية و هي الاستحباب الكراهة.

و أمَّا الإباحة فليس فيها أمر و نهي على الإطلاق. و إن قسَّموها إلى إباحة اقتضائية، و إباحة لا اقتضائية. فالأخيرة هي الشي‏ء بطبعه من دون أن تتعلق به رغبة الشارع المقدس في سلوك معين. و الأولى- أعني الاقتضائية- هي التي رغب الشارع المقدس على الإباحة و الإطلاق كقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ. و قوله- عزّ و جلّ- وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.

كما قسموا الحرام إلى كبائر و صغائر. و اختلفوا في تفسير الكبائر.

و مهما يكن من شي‏ء فالصغائر هي غيرها من المحرمات. مع التسالم على أنَّ كلا القسمين حرام و يستحق الفرد عليه العقاب أمام الله سبحانه و تعالى. فقد

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 45

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المسك
المدير العام
المدير العام


الجنس:ذكرالسرطانالنمر
العمر : 46
سجّل في : 26 يونيو 2007
عدد المساهمات : 956
علم بلدك : http://i42.servimg.com/u/f42/12/32/45/99/untitl12.jpg
وسام التفوق : http://www.bawasel.com/forums/uploaded/3547_1180476192.gif

بطاقة الشخصية
الوطن: العراق
msn: أروع القلوب قلب يخشى الله وأجمل الكلام ذكر الله وأنقى الحب الحب في الله
نشاط العضو:
65/150  (65/150)

مُساهمةموضوع: رد: فصل في العدالة   الجمعة 6 يونيو - 16:07

قيل: إنَّ الكبائر هي المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم. و قيل:

إنَّها هي التي توعّد الله- عزّ و جلّ- في كتابه عليها بالنار. و قيل: هي التي توعّد الشارع المقدس عليها بالنار و لو في غير القرآن الكريم. أو هي المحرمات ذات الأهمية الكبيرة كالذي قالوه في الاحتياط في الفروج و الدماء. أو أن النواهي تختلف أهميتها، فكلّ محرم بالنسبة إلى ما دونه في الأهمية هو كبيرة. و بالنسبة إلى ما هو أهم منه صغيرة و على أيِّ حال فإنَّه لا يترتب على اختيار أحد هذه الوجوه و البرهنة عليه أيَّة أهمية أو أثر شرعي، بعد التسالم على أنها جميعاً من المحرمات حتى لو كانت صغائر. نعم، لو فسَّرنا الكبائر بالمحرمات، و الصغائر بالمكروهات، لكان ذلك اختلافاً. الا أنه وجه مخالف للمشهور.

إذا عرفنا كلّ ذلك، رجعنا إلى السؤال: بأي مستويات الحكم الشرعي هذه تتحقق العدالة؟ و ما هو المحتمل نظريّاً حول ذلك، و إن كان متعدداً، الا أننا نذكر ما هو الأهم:

الاحتمال الأول: إنَّ الكبائر هي التي تكون محكّاً في ذلك. فالعادل هو مجتنب الكبائر. يعني حتى و إن تورط بالصغائر.

الاحتمال الثاني: إنَّ المحرمات على العموم هي المحكّ. و نعني من المحرمات ما يشمل ترك الواجبات، فإنها حرام أيضاً. فمن لم يعمل الحرام، و لم يترك الواجب هو العادل.

الاحتمال الثالث: إنَّ المحكَّ في العدالة أوسع من ذلك، بحيث يشمل قسماً من المكروهات و المستحبات.

و لكل من هذه المحتملات الثلاثة دلالة في بعض عبارات الروايات السابقة، فراجع.

الا أنَّ الصحيح هو الاحتمال الثاني. و إسقاط الأول، بعد اعتبار الصغائر من المحرمات أيضاً. فإنَّ ارتكابها أيضاً خروج عن القانون الشرعي الإلهي و محاربة له. و كذلك مع إسقاط الاحتمال الثالث، لوضوح أنَّ الشارع المقدس بعد أن أعطى الترخيص في مخالفة المستحبات و المكروهات، لم يكن في ذلك إخلالا بالصلاح و الورع المطلوبين في العدالة. و إن كان‏

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 46



الالتزام بها أو بالمهم منها درجة أعلى و أهم من العدالة.

بقي عندنا السؤال: إنَّ الإتيان بمنافيات العدالة و هي المحرمات أحياناً قليلة، هل تخرج من العدالة أم لا؟ لأنَّ في ذلك وجهين رئيسين:

الوجه الأول: إنَّ العدالة هي الاستقامة التامة في إطاعة الشريعة. فمتى حصل الذنب مهما كان قليلا، انثلمت هذه الاستقامة و بطلت العدالة. الا أنها يمكن أن تعود فوراً أو بعد حين، عند حصول التوبة و الرجوع إلى الاستقامة.

الوجه الثاني: إنَّ العدالة هي الاستقامة في إطاعة الشريعة على وجه العموم، بحيث لا ينافي وجود نقاط الضعف أحياناً، يعني الإتيان بمنافيات العدالة. خذ مثلا: مفهوم الماء فإنه يبقى ماء و إن اختلط بالتراب القليل. أو مفهوم اللبن فإنَّه يبقى لبناً و إن اختلط بالماء القليل. فكذلك العدالة قابلة للبقاء حتى مع حصول المحرم القليل.

نعم، لو حصل الإصرار على الذنب، و العياذ بالله، كان ذلك مخلا بالعدالة، لأنه استمرار بالذنب و ذنب على ذنب. و لعل الآية الكريمة الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ الا اللَّمَمَ، دالَّة على ذلك. لأنَّ اللّمم يفسَّر عادة بما يلمُّ به من الفرد من ذنب أحياناً طبقاً لنقاط الضعف في نفسه. و قد حصل استثناؤه في الآية الكريمة، و لم يخرج فاعله- بظاهرها- من المدح إلى القدح.

و لكلٍّ من هذين الوجهين من يقول به من الفقهاء، لكنَّ الصحيح هو الوجه الثاني. لأنَّ العدالة مفهوم عرفي كسائر المفاهيم العرفية، التي يكون الفقيه مسئولا على الأخذ بها في الفقه، كما هو مبرهن في علم الأصول عليه. و قد مثَّلنا أنَّ هذه المفاهيم لا تختل أو تختلف عرفاً بوجود القليل ممَّ ينافيها. على أنَّ الاستقامة التامة لو توخيناها، لم توجد الا في المعصومين أو أشباههم. نعم هي درجة عالية من العدالة بلا شك. الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ. و المهم ما عرفناه من أنَّه يصدق عرفاً على الفرد أنَّه عادل و مستقيم. و هذا الصدق محفوظ بلا إشكال مع وجود اللَّمم.

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 47





الفسق:



لا بدّ لنا، و نحن نتحدث عن العدالة، أن نلمَّ بالحديث عن الفسق الذي جعل مقابلا لها. فما هو الفسق و هل هو مقابل للعدالة تماماً؟!.

الفسق في اللغة «1» هو الخروج. و العرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها. و كأن الفأرة إنَّما سمِّيت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس. و الفسق هو الخروج عن الأمر فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج. و قال ابن الأعرابي: لم يسمع في كلام الجاهلية و في شعرهم فاسق. قال: و هذا عجب و هو كلام عربي. و يقال: إنَّه لفسق أي خروج عن الحق. قال أبو الهيثم: و قد يكون الفسوق شركاً و يكون إثماً. و هذا هو بعينه اصطلاح المتشرعة و الفقهاء، و ليس لهم اصطلاح وراء هذا المعنى. كل ما في الأمر أنَّ الذي يظهر من اصطلاحهم هو أنَّ الفاسق من كان على ظاهر الإسلام و لكنه يعمل المآثم و المحرمات. و أمَّا الكفار و المشركون فلا يصدق على حالهم الفسق.

الا أنَّ هذا كما هو على خلاف عبارة أبي الهيثم السابقة من الناحية اللغوية، و هو أيضاً مخالف للاعتبار لأنَّ الفسق هو الخروج، و أمَّا مقدار هذا الخروج عن الشريعة فليس بمحدّد، فيكون كلّه فسقاً، و إن صدق معه عنوان آخر أو أكثر كالكفر أو الشرك. نعم، قد يكون عنوان الفسق وحده صادقاً، كما في من كان على ظاهر الإسلام.

و القرآن الكريم ناطق بكلا المعنيين. فمن كان فاسقاً على ظاهر الإسلام. مثل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. و قوله تعالى وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ.

و من كان فاسقاً خارجاً عن الإسلام تماماً فيه آيات عديدة، منها قوله تعالى:

فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. و قوله:

فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ. و قوله تعالى وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ و غيرها.

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 48



بقي الكلام عن تقابل الفسق و العدالة. فهل هما متقابلان تماماً؟ لأنَّ العدالة هي طاعة الواجبات و المحرمات، و الفسق هو عصيانها. و الفرد لا يخلو من أحد الحالين «1». و لكن الصحيح أنَّ الفرد قد يخلو من أحد الحالين أحياناً. و ذلك في عدة موارد:

أحدها: البالغ لتوه أو الداخل في الإسلام لتوه بحيث لم يمض زمان كاف للامتثال، أو حتى الالتفات الفعلي إليه.

الثاني: الأطفال المميزون.

الثالث: من بلغ مجنوناً ساقطاً عنه التكليف.

فمثل هذا و نحوه يمكن أن لا يكون عادلا أو فاسقاً. إذن، فهما صفتان يمكن أن يرتفعا، و لكن لا يمكن أن يجتمعا بأن يكون فرد عادلا و فاسقاً في نفس الوقت كما هو أوضح من أن نبرهن عليه.

و أمَّا الحديث عن أن هذا الفرد الذي ارتفعت عنه الصفتان، هل يترتب عليه حكم العادل، يعنى يجوز له تولي القضاء و الفتوى و الشهادة، أم لا؟

فهذا تابع إلى مقدار الاشتراط في الشريعة، فإن اشترطنا في هذه الأمور خصوص صفة العدالة، فهي منتفية بالفرض، فلا يجوز له ذلك. و إن اشترطنا مجرد عدم الفسق. فهو ليس بفاسق فيجوز له ذلك. و الصحيح هو الأول.

و البحث موكول إلى الفقه ليس هنا محله.

هذا و هناك بعض التفاصيل عن العدالة، قد تأتي في محلها من هذا الكتاب، ككتاب الشهادات و القضاء. مثل الجواب عن السؤال: هل أنَّ العدالة المعتبرة في الشهادة هي المعتبرة أيضاً في الفتوى و القضاء، أو أنها تختلف عنها؟.



ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 49
body {
;scrollbar-base-color: #e6c9C1
;scrollbar-arrow-color: #000000
;scrollbar-track-color: #E6CfC0

}


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ديوانية الصدر
المبدعون
المبدعون


الجنس:ذكرالقوسالديك
العمر : 14
سجّل في : 24 نوفمبر 2007
عدد المساهمات : 902
علم بلدك : http://i42.servimg.com/u/f42/12/32/45/99/untitl12.jpg
وسام التفوق : http://www.sheiabeen.com/vb/images/wsam/member.gif

بطاقة الشخصية
الوطن: العراق
msn: أروع القلوب قلب يخشى الله وأجمل الكلام ذكر الله وأنقى الحب الحب في الله
نشاط العضو:
60/150  (60/150)

مُساهمةموضوع: رد: فصل في العدالة   الإثنين 9 يونيو - 8:55

سكرا على المواضيع الرائعة خالي
ونتمنى المزيد من هالمواضيع الحلوة
_________________


لاتأسفن على غـدر الزمــــان لطــالما * رقصت على جثـث الاسـود كلاب
ولاتحسبن برقصها تعلوا على اسيادها * تبقى الاسود اسود والكـلاب كلاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فصل في العدالة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أبناء الصدرين الشهيدين :: آل الصدر :: السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر-