فصل في العدالة
عرِّف العدل في اللغة أنه ما يأتي في النفس أنه مستقيم. و أنه هو الحكم بالحق. و يوصف الرجل بأنه عدل على معنى ذو عدل. و هو صفة للمذكر و المؤنث و المفرد و الجمع. يقال: امرأة عدل و جماعة عدل. و ما يأتي في النفس أنه مستقيم، هو التصرف الصالح، الذي يوافق الضمير الخالص غير المنحرف.
و عرِّف العدل في الفلسفة: بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له، و هو معنى شامل للَّه- عزّ و جلّ- و غيره. فالعدل الإلهي هو وضع الشيء في موضعه، و كذلك هو العدل الصادر من المخلوقين، كالحاكم و القاضي، و كذلك تصرّف الرجل العادل في سلوكه، لأنه تتوفر في هذه الصفة في تصرفاته. و هذا هو الذي يفسر قول اللغويين عنه أنه الحكم بالحق. فإنَّ الحق لا يكون الا بوضع الشيء في الموضع المناسب. كما أنَّ هذه الصفة أيضاً هي التي تأتي في النفس أنها مستقيمة بالنسبة لمن يعلم استقامتها و صحة اتجاهها.
و قد اشترطت العدالة أو العدل فقهيّاً في عدة أمور: في مرجع التقليد الذي نتحدث الآن عنه، و في الشاهد أيّاً كانت شهادته، و في الحاكم في مجتمع، و في القاضي في الخصومات، سواء كان منصوباً أو قاضي تحكيم، و في إمام الجماعة. لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة فيما جاز عمل المرأة فيه من ذلك.
و قد ورد وصف العدالة في الروايات عن المعصومين- عليهم السَّلام. نورد المهم منها
ما وراء الفقه، ج1، ص: 40
ففي رواية عن عبد الله بن أبي يعفور «1»، قال: قلت: لأبي عبد الله- عليه السَّلام-: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان. و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. و الدلالة على ذلك كلِّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك. إلى أن يقول: فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه الا خيراً، مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه، فإنَّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين.
الحديث.
و عن العلاء بن سيابة «2» قال: سألت أبا عبد الله- عليه السَّلام- عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق.
الحديث.
و عن علقمة «3» قال: قال الصادق- عليه السَّلام-، و قد قلت له: يا ابن رسول الله، أخبرني عمَّن تقبل شهادته و من لا تقبل. فقال: يا علقمة، كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف الذنوب؟ فقال: يا علقمة، لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الأنبياء و الأوصياء لأنهم المعصومون دون سائر الخلق. فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة، و إن كان في نفسه مذنباً. و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان.
و عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي «4» عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه، عن علي- عليه السَّلام- قال: قال رسول الله- صلَّى الله عليه
ما وراء الفقه، ج1، ص: 41
و آله-: من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدَّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروَّته، و ظهرت عدالته، و وجبت أخوّته، و حرّمت غيبته.
و في رواية عن عبد الكريم بن أبي يعفور «1»، عن أبى جعفر- عليه السَّلام-: قال: تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنَّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرج إلى الرجال في أنديتهم.
و في رواية عن أبي علي بن راشد «2». قال: قلت لأبي جعفر- عليه السَّلام-: إنَّ مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعاً؟ فقال: لا تصل الا خلف من تثق بدينه و أمانته.
و قد سبق أن سمعنا في الحديث عن تفسير العسكري- عليه السَّلام- يقول فيه: فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.
و للمنطق رأى آخر في العدل، حيث قسموا العقل بحسب مدركاته إلى قسمين: عقل نظري و عقل عملي. و عرَّفوا العقل النظري بأنه إدراك ما ينبغي أن يعلم. كإدراك أنَّ السماء فوقنا و الأرض تحتنا، إلى ملايين الحقائق الكونية و غيرها. و عرَّفوا العقل العملي بأنه إدراك ما ينبغي أن يعمل. يعني من التصرفات و السلوك. و قالوا: إنَّ العقل العملي له الحكم- بناء على تعريفه- في سلوك الأفراد، فيحكم بالتحسين لما هو حسن، و بالتقبيح فيما هو قبيح. مثاله: حكمه بالحسن على الصدق و بالقبح على الكذب. و هل يعم حكمه للعدل الإلهي أو لا؟ فهذا أمر موكول إلى علم الكلام و خارج عن الفقه. و هو الذي اختلف فيه العدلية الأشاعرة. و ليس هنا محله.
و قالوا: إنَّ هناك من العناوين ما يكون ذاتي الحسن و القبح، و هو العدل و الظلم. إذ يستحيل أن يحصل له عنوان ثانوي أو طارئ يزيل عنه هذا
ما وراء الفقه، ج1، ص: 42
الحكم. بخلاف العناوين الأخرى، فإنها اقتضائية في حكمها و ليست ذاتية، فالصدق حسن في الحكم الاقتضائي، و لكنه قد يحصل له عنوان ثانوي طارئ يزيل عنه التحسين، كما لو كان الصدق سبباً للقتل أو السرقة. كما أنَّ الكذب قبيح ما لم يحصل عنوان ثانوي له كإصلاح ذات البين. و قالوا: إنَّ أمثال هذه العناوين إنما تكتسب هذه القيمة العقلية الأخلاقية، بمقدار اندراجها في ذينك العنوانين، فمتى كان الصدق عدلا كان حسناً، و إذا أصبح ظلماً كان قبيحاً. و الكذب قبيح ما دام ظلما فإذا أصبح عدلا كان حسناً.
و هكذا.
و نقطة الضعف الرئيسية في ذلك هو أنَّ عدداً محدوداً من العناوين هي التي يدرك العقل حكمها، بخلاف أكثر عناوين السلوك، فإنَّه لا يدرك حكمها، كعامة العلاقات الفردية و الاجتماعية. مضافاً إلى أنَّ العقل، حتى في العناوين التي يدرك حكمها، قد تحصل عليها العناوين التي تغيّر الحكم، كما عرفنا، أو تجعل العقل يشك في صدق الحكم عندئذٍ. فإذا علمنا أن هذه العناوين الثانوية في الحياة كثيرة، عرفنا مدى ضيق الحكم العقلي بالتحسين و التقبيح. و هذا الضيق هو الذي يجعل العقل الإنساني قاصراً عن أن يقود نفسه بنفسه، و يجعل الفرد محتاجاً ذاتيّاً إلى شريعة الله- عزّ و جلّ. و مع وجود هذا الضيق لا يمكن أن يكون العقل محكاً لتمييز العدالة في الفرد.
لأنه- كما عرفنا- لا يميز كثيراً من أنحاء التصرفات. و هذا هو الإشكال الأصلي على ما عرفناه في التعريف اللغوي للعدل: أنه ما يأتي في النفس أنه مستقيم. لأن هذا الفهم إن قصد منه الفهم العقلي الذي تحدثنا عنه، كان ناقصاً و غير قابل للاستيعاب.
و من هنا كان لا بدَّ لنا في تمييز العدالة إلى الالتفات إلى أحد أمرين:
الأمر الأول: ما عرفناه من أنَّ العدل هو وضع الشيء في موضعه، مع التحويل في ذلك على الواقع الموضوعي الذي يعلمه الله- عزّ و جلّ. فإن كان الفرد قد وضع سلوكه أو أي أمر آخر في موضعه الواقعي كان عادلا و الا فلا.
الأمر الثاني: الشريعة. فإن كان سلوك الفرد مطابقاً لها كان عادلا و الا فلا.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 43
أما الأمر الأول فهو متعذر الإدراك وحده، لوضوح تعذر الاطلاع على الواقع الموضوعي مباشرة، أو عن طريق علم الله- عزّ و علا. و إنما هناك طريقان لإدراك هذا الواقع: أحدهما: العقل الذي عرفنا قصوره. و الآخر هو الشريعة.
و من هنا نعرف أنه لا تنافي بين تعريف العدل: بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له. و بين تعريفه: بأنه موافق للعقل العملي أو أنه موافق للشريعة. لأن هذين الأمرين الآخرين: أعني العقل و الشريعة، إنما يدلان على أنَّ الفرد قد وضع الشيء في موضعه المناسب له. غير أن العقل لما كان ضيِّقاً، كان المرجع الرئيسي في تمييز ذلك هو الشريعة. كما لا تنافي بين حكم العقل و الشريعة، لأننا إن بنينا على القاعدة القائلة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. فالأمر يكون واضحاً، لأنَّ الشرع بنفسه يكون محتوياً على كل أحكام العقل و زيادة. و هذه الزيادات تخص الموارد التي عجز العقل عن إدراكها. و إذ لم نبن على تلك القاعدة أمكننا الالتفات إلى قاعدة أخرى متسالم على صحتها بين علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، و هي قولهم: ما من واقعة الا و لها حكم. إذ ينتج منها: أنَّ حكم الشرع شامل لكل موارد حكم العقل سواء وافقه فيها أو خالفه. غير أنَّ الوجدان الضروري قاض بأننا لم نجد أي اختلاف بين حكمي العقل و الشرع. و حتى لو فرضت المخالفة، فإنَّ مولانا الذي يجب علينا إطاعته هو الشريعة أو قل: صاحب الشريعة، و ليس مولانا هو العقل. إذن، فالمهم في تمييز العدل إنما هي، الشريعة بالذات. و هذا هو الذي يفسر قول اللغويين في تعريف العدل: بأنه الحكم بالحق. يعني بالشريعة.
و حيث أننا متأخرون عن صدر الإسلام، و غير معاصرين لصاحب الشريعة، فإنما تكون الشريعة بالنسبة إلينا ما قامت عليه الحجَّة من التكاليف و الأحكام. كل ما في الأمر أنَّ الطرق المثبتة لهذه الحجة ذات أشكال و مستويات مختلفة لا حاجة الآن إلى تعدادها.
فالمهم في العدل، هو تطبيق الحكم الشرعي الذي قامت الحجة على صحته. و هذا هو الفهم الذي حامت الروايات حوله. و إذا وصلنا إلى هذا
ما وراء الفقه، ج1، ص: 44
الفهم، بقي لدينا سؤال أخير و هو: أي مستويات الحكم الشرعي يكون هو المحقق للعدالة مع تطبيقه؟
فإن الحكم الشرعي ينقسم إلى وضعي و تكليفي.
فالحكم التكليفي: هو المفهوم من مدلول الأمر و النهي: (افعل- و لا تفعل) و فيه انبعاث نحو السلوك أو زجر عنه بذاته. كوجوب الصلاة و حرمة السرقة.
و الحكم الوضعي: ما لم يكن فيه هذا الانبعاث و الانزجار. و إنما هو مجرد المسؤولية أو الذمة كالضمانات و الديون. و إن استلزمت السلوك ثانوياً لأدائها مثلا.
و الحكم التكليفي ينقسم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: الوجوب، و الاستحباب، و الإباحة، و الكراهة، و الحرمة.
- فالوجوب: هو الأمر بالشيء مع المنع عن الترك.
- و الاستحباب: هو الأمر بالشيء مع الترخيص بالترك.
- و الحرمة: هو النهي عن الشيء مع المنع عن الفعل.
- و الكراهة: هو النهي عن الشيء مع الترخيص بالفعل.
و نستطيع أن نقول: إنَّ للأمر و النهي درجتين في الأهمية، فالدرجة العليا إلزامية، و هي الوجوب و الحرمة. و الدرجة الدنيا غير إلزامية و هي الاستحباب الكراهة.
و أمَّا الإباحة فليس فيها أمر و نهي على الإطلاق. و إن قسَّموها إلى إباحة اقتضائية، و إباحة لا اقتضائية. فالأخيرة هي الشيء بطبعه من دون أن تتعلق به رغبة الشارع المقدس في سلوك معين. و الأولى- أعني الاقتضائية- هي التي رغب الشارع المقدس على الإباحة و الإطلاق كقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ. و قوله- عزّ و جلّ- وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.
كما قسموا الحرام إلى كبائر و صغائر. و اختلفوا في تفسير الكبائر.
و مهما يكن من شيء فالصغائر هي غيرها من المحرمات. مع التسالم على أنَّ كلا القسمين حرام و يستحق الفرد عليه العقاب أمام الله سبحانه و تعالى. فقد
ما وراء الفقه، ج1، ص: 45
_________________