هاجر السيد الصدر للمرة الثالثة الى لبنان سنة 1960 م، ولمدة شهر واحد، ليتعرف أكثر على ظروف الناس، وبعد اطلاعه على مستوى الحرمان شعَر بعظَمة التكليف وقرر البقاء في لبنان خلافاً لرغبته الخاصة.
وكان من الجلّي للجميع أنه لو استمر الإمام بنشاطه في الحوزات العلمية (بالكفاءات والاستعدادات التي يتمتع بها) لأصبح من المراجع والمفكّرين الهام في عالم التشيّع، لكن هول المأساة في لبنان أقلقه وهزّ كيانه، فضحّى بكل آماله وتحمّل أعباء هذه المسؤولية التاريخية لإنقاذ المجتمع اللبناني بكل طوائفه الإسلامية والمسيحية.
أ. إمامة مسجد الإمام شرف الدين:
بعد وصوله الى لبنان، إختار السيد موسى الإقامة في مدينة صور، وباشر مسؤوليته التاريخية بإمامة مسجد المجاهد الأكبر آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين، والذي كان لا يزال يعبق بعطر خطبه ومواقفه الجيّاشة، فوضع السيد موسى بذلك نهاية لانتظار العلامة شرف الدين وأحيا في مسجده دور الهداية والجهاد.
ب. مواجهة الحرمان الثقافي:
إكتشف السيد الصدر بعد دراسة معمّقة لظروف الحرمان أنّ سببها الأساسي يعود الى التخلّف الثقافي والاقتصادي، فبدأ مباشرةً في إعداد خطة لمواجهة الحرمان الثقافي بالإضافة إلى التدريس في الكلية الجعفرية (صور) والكلية العاملية (بيروت)، وألقى المحاضرات المنتظمة في المراكز الثقافية والاجتماعية والتربوية، واهتم بإقامة علاقات مباشرة مع الشباب والمثقفين.
ج. الحضور في المراكز المسيحية:
إهتم السيد بزيارة المراكز المسيحية الدينية والثقافية، فألقى الخطَب في الكنائس، وحاور الشخصيات المسيحية الدينية والعلمية والسياسية، وتمكن خلال مدة قصيرة أن يجذبهم الى التشيّع وشخصيته الاستثنائية.
د. مواجهة الحرمان الاقتصادي:
إعتقد السيد موسى بوجود علاقة مباشرة بين الحرمان الثقافي والاقتصادي، وأنّ لهما تأثيراً كبيراً على القضايا الفكرية والأخلاقية والسياسية والعسكرية، ويقول سماحته في هذا المجال: "ما يدعو للتعجّب أنّ الإسلام يعتبر طلب العلم فريضة واجبة، لكن أكثر الأمّيين هم من المسلمين!، والإسلام يعتبر أنّ النظافة من الإيمان، بينما أكثر الأحياء والأسواق وساخةً هي أحياء المسلمين وأسواقهم، فيكف يصدّق الناس ادعاء المسلمين (بأنّ الإسلام يضمن سعادة الدنيا والآخرة) وهم يغرقون في الجهل والفقر والمرض ويسيطر الفساد والانحراف على سلوك نسائهم وشبابهم وتجّارهم وزعمائهم"؟!..
إنطلاقاً من هذه الوقائع، ومن أجل اقتلاع جذور هذه المعضلات وأبعادها المختلفة، فإنّ نشاط الإمام لم يقتصر على المسجد والمدرسة والجامعة، بل بادر سماحته الى تأسيس مراكز ومؤسسات أخرى ذات أهمية..
هـ. جمعيّة "البِرّ والإحسان":
إهتم الإمام الصدر في العديد من المشاريع والجمعيات الخيرية والثقافية، وأعاد تنظيم جمعية البِرّ والإحسان" في مدينة صور، وتولّى نظارتها العامة، ونجح في القضاء إلى التسوّل والتشرّد في المدينة، وتمكّن من شدّ أواصر الأخوّة والتعاون بين المواطنين من مختلف الطوائف.
و. تفعيل دور المرأة:
كان وضع النساء والبنات آنذاك مأساوياً، ولم يكن مطروحاً يومها أمر الحجاب أو عدمه، بل كانت الخطورة في خلاعة المرأة التي فاق فسادها في لبنان كافة الدول الأخرى في الشرق.
ويقول الإمام في هذا المجال: "إكتشفتُ أنّ السبب الرئيسي لهذا الانحراف هو الضياع الفكري والأميّة والابتعاد عن التعاليم الدينية، فقرّرتُ في البداية رفع مستوى الوعي الديني والأخلاقي، لكنّني واجهت عقبتين كبيرتين: 1) ضعف مشاركة النساء في النشاطات العامة، 2) اهتمامهن بالأزياء والموضة وأدوات التجميل.. فلم يكن ممكناً بدايةً دعوتهن لارتداء الحجاب الإسلامي، لذا قرّرنا اعتماد أساليب غير مباشرة، فأعلنت جمعية البِرّ والإحسان عن استعدادها لقبول عضوية النساء ومشاركتهن في نشاطاتها بفعالية، وهكذا، انتسبت للجمعية خلال مدة قصيرة أكثر من مئتي امرأة، وانتخبن ثمانية منهن كأعضاء شكّلن هيئة إدارية نسائية في السنة الأولى. وتطوّر نشاط النساء في الأعمال الخيرية نتيجة حُبّ التضحية والعطاء، فنالت إحداهن جائزة أفضل عضو فعّال في الجمعية لسنة 1960م، ولتطوير علاقتهن بأهداف الجمعية تم تكليفهن بتوزيع المساعدات الشهرية وزيارة العائلات الفقيرة، فأدّت هذه المهمّة الى تحقيق الارتياح النفسي وإحياء الأصالة الإنسانية في نفوسهن، وأدركن أنّ الحشمة والعفّة هي مقوّمات أساسية تضفي على شخصيتهن الحياء والعظّمة.
ز. "بيت الفتاة":
أسّس السيّد الصدر مؤسسة "بيت الفتاة" لتعليم بنات الفقراء الأشغال اليدوية والخياطة، وبعد تخرّجها من الدورة تعود الى منـزلها بروحية عالية ومهنة شريفة وتعمل في منـزلها لتؤمّن احتياجاتها واحتياجات عائلتها.
ح. معهد التمريض:
أسّس السيّد الصدر معهد تمريض خاص بالنساء يؤهّلهن لنيل شهادة رسمية في مهنة التمريض ويساعدهن للعمل في المستوصفات والمستشفيات ويحقّق لهن مكانة اجتماعية مرموقة واكتفاءً ذاتياً ويقوم بدور فاعل في خدمة الفقراء والمحرومين.
ط. "مؤسسة حياكة السجّاد":
قامت المؤسسة بتعليم حياكة السجّاد لأكثر من ثلاثمائة بنت من بنات جبل عامل، وكانت المؤسسة تؤمّن أدوات الحياكة لكل متخرّجة لتعمل في منـزلها مقابل أجر محدَّد، كما تولّت المؤسسة بيع السجّاد في معارض خاصّة
ي. "مؤسسة جبل عامل المهنية":
أسّس الإمام الصدر "مؤسسة جبل عامل المهنية" بهدف إزالة فقر الناس وجهلهم المتراكم منذ عشرات السنين، وتركّز اهتمامها على المحرومين والأيتام الذين استشهد آباؤهم وأمهاتهم بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، وكانوا يدرسون نهاراً ويبيتون ليلاً بشكل مجّاني، وكانت المؤسسة تمنح طلابها شهادات رسمية في اختصاصات مختلفة وتساعدهم على تأمين متطلبات حياتهم.
ولم تقتصر المؤسسة على تحقيق التفوّق العلمي، بل شكّلت مصنعاً فكرياً لإعداد الكوادر من خلال إقامة صلاة الجماعة والمحاضرات والنشاطات الإسلامية المختلفة.
وبسبب الاعتداءات الإسرائيلية (المستمرة) كان أساتذة المؤسسة وطلابها يتدربون على فنون القتال ويواجهون إسرائيل في المواقع الأمامية، فقدّموا العديد من الشهداء.
ك. "معهد الدراسات الإسلامية":
تُعتبر الحوزة العلمية في مدينة صور (معهد الدراسات الإسلامية) التي يترأسها سماحة العلامة المجاهد السيد علي الأمين ، من المشاريع الأساسية التي أسّسها الإمام الصدر تلبيةً لحاجات الناس الضرورية والدائمة للعلماء والمبلّغين الذين يتمتعون بالبصيرة وتحمّل المسؤولية، فاهتمت بإعداد طلبة العلوم الدينية اهتماماً شديداً، وكان يدرس في المعهد إضافةً الى الطلبة اللبنانيين عدد كبير من أبناء أفريقيا وأندونيسيا والصين وأفغانستان واليابان.. حيث نهلوا من مدرسة أهل البيت (ع) وعادوا الى بلدانهم لنشر رسالة الإسلام والتشيّع فيها.
شكرالكم وتحياتي الى القائمين على هذا المنتدى الشريف
اخوكم الصغير
ذي قار الناصرية / ابو سعود الصدر